النووي

14

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين ( تحقيق الفحل )

2 - باب التوبة قَالَ العلماءُ : التَّوْبَةُ وَاجبَةٌ مِنْ كُلِّ ذَنْب ، فإنْ كَانتِ المَعْصِيَةُ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللهِ تَعَالَى لاَ تَتَعلَّقُ بحقّ آدَمِيٍّ فَلَهَا ثَلاثَةُ شُرُوط : أحَدُها : أَنْ يُقلِعَ عَنِ المَعصِيَةِ . والثَّانِي : أَنْ يَنْدَمَ عَلَى فِعْلِهَا . والثَّالثُ : أَنْ يَعْزِمَ أَنْ لا يعُودَ إِلَيْهَا أَبَدًا . فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ الثَّلاثَةِ لَمْ تَصِحَّ تَوبَتُهُ . وإنْ كَانَتِ المَعْصِيةُ تَتَعَلقُ بآدَمِيٍّ فَشُرُوطُهَا أرْبَعَةٌ : هذِهِ الثَّلاثَةُ ، وأَنْ يَبْرَأَ مِنْ حَقّ صَاحِبِها ، فَإِنْ كَانَتْ مالًا أَوْ نَحْوَهُ رَدَّهُ إِلَيْه ، وإنْ كَانَت حَدَّ قَذْفٍ ونَحْوَهُ مَكَّنَهُ مِنْهُ أَوْ طَلَبَ عَفْوَهُ ، وإنْ كَانْت غِيبَةً استَحَلَّهُ مِنْهَا . ويجِبُ أَنْ يَتُوبَ مِنْ جميعِ الذُّنُوبِ ، فَإِنْ تَابَ مِنْ بَعْضِها صَحَّتْ تَوْبَتُهُ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ مِنْ ذلِكَ الذَّنْبِ وبَقِيَ عَلَيهِ البَاقي . وَقَدْ تَظَاهَرَتْ دَلائِلُ الكتَابِ والسُّنَّةِ ، وإجْمَاعِ الأُمَّةِ عَلَى وُجوبِ التَّوبةِ . قَالَ الله تَعَالَى : { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ النور : 31 ] ، وَقالَ تَعَالَى : { وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } [ هود : 3 ] ، وَقالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحا } [ التحريم : 8 ] . 13 - وعن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - قَالَ : سمعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : « واللهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وأَتُوبُ إِلَيْه فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً » . رواه البخاري . ( 1 ) 14 - وعن الأَغَرِّ بنِ يسار المزنِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، تُوبُوا إِلى اللهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ، فَإنِّي أتُوبُ فِي اليَوْمِ مِائةَ مَرَّةٍ » . رواه مسلم . ( 1 ) 15 - وعن أبي حمزةَ أَنسِ بنِ مالكٍ الأنصاريِّ - خادِمِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنه - قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم : « للهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرهِ وقد أضلَّهُ في أرضٍ فَلاةٍ ( 1 ) » . مُتَّفَقٌ عليه . ( 2 ) - [ 15 ] - وفي رواية لمُسْلمٍ : « للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يتوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتهِ بأرضٍ فَلاةٍ ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابهُ فأَيِسَ مِنْهَا ، فَأَتى شَجَرَةً فاضطَجَعَ في ظِلِّهَا وقد أيِسَ مِنْ رَاحلَتهِ ، فَبَينَما هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِها قائِمَةً عِندَهُ ، فَأَخَذَ بِخِطامِهَا ( 3 ) ، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ : اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبدِي وأنا رَبُّكَ ! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ » .

--> ( 1 ) أخرجه : البخاري 8 / 83 ( 6307 ) . ( 1 ) أخرجه : مسلم 8 / 72 ( 2702 ) ( 41 ) و ( 42 ) . ( 1 ) الفلاة : الصحراء الواسعة . اللسان 10 / 330 ( فلا ) . ( 2 ) أخرجه : البخاري 8 / 84 ( 6309 ) ، ومسلم 8 / 93 ( 2747 ) ( 7 ) و ( 8 ) . ( 3 ) الخطام : الحبل الذي يقاد به البعير . اللسان 4 / 145 ( خطم ) .